عائشة التاج تكتب | عادات عيد الأضحى
تسميه العادات الاجتماعية بـ”العيد الكبير”، أي أنه يحتل عرش الأعياد الكثيرة، الوطنية منها والدينية، ويستنفر من أجله الكثير من المال والوقت والجهد. كما يفضل عدد كبير من المهاجرين، سواء داخل الوطن أو خارجه، العودة إلى أهلهم تزامنًا مع هذه المناسبة. وبهذا تفرغ المدن الكبرى من جزء هام من ساكنتها، وتنشط حركة التنقلات نحو المدن الصغرى والبوادي التي تنتعش بدورها في مثل هذه المناسبة.
يشكل عيد الأضحى فرصة اجتماعية بامتياز لصلة الوصل بين الأقارب والأحباب، الذين يجدون في ولائمه خيطًا ناظمًا لعلاقات أسرية واجتماعية أكثر دفئًا وتماسكًا وسلاسة. حيث يعبر الكرم المغربي عن نفسه خارج هواجس الغلاء، لأن أغلى شيء، وهو اللحم، متوفر، فتكثر الدعوات واللقاءات بين الأهل والأحباب بشكل سلس. كما تستعرض النساء مهاراتهن في الطبخ وإعداد أشهى الأطباق.
وهو أيضًا فرصة لرواج تجاري مميز لبعض القطاعات، أهمها النقل، وطبعا تجارة المواشي، وما قد تستلزمه الولائم من أوانٍ للطبخ، وبهارات، ومستلزمات غذائية، ومعدات للذبح والشواء والغسل والتنظيف.
وأيضًا هو فرصة لرواج الملابس التقليدية التي يحرص المغاربة على ارتدائها أثناء أداء صلاة العيد واستقبال الضيوف بعد عملية الذبح أو غداة يوم العيد. كما يحرص الميسورون على شراء ملابس جديدة لأطفالهم، أما الفقراء فيحرص آباؤهم على شرح أن المناسبة ليست عيدًا للباس الجديد، بل للأكل والاستمتاع بما لذ وطاب من الأطباق، ويكتفون بتهيئة ألبسة العيد السابق لهذه المناسبة.
ويكتفي الأطفال بفرحهم بكبش العيد الذي يتباهون به مع أقرانهم، ويشكل فرصة للتواصل مع الماشية واكتشافها والاستمتاع بالنظر إليها وسماع أصواتها وتقليدها بفرح طفولي بالغ، خصوصًا بالنسبة لأبناء المدن الإسمنتية. كما يبرر كثير من الآباء حرصهم على اقتناء كبش العيد بأي ثمن من أجل أبنائهم، الذين يجعلون من التطلع إلى الأكباش الداخلة لأحيائهم فرصة لشغب طفولي مفعم بالفرح والانطلاق.
دينيًا، يشكل عيد الأضحى مجرد سنة مؤكدة تحولت إلى “واجب شبه مقدس” بحكم سلطة العادات والتقاليد. ونادر جدًا من ينسحب من ممارسة هذا الطقس الاجتماعي الذي يحيل على الوليمة والزردة والاستمتاع بألذ الأطباق مع الأحباب، قبل أن يحيل على الطقس الديني في دلالاته الروحية المتوخاة.
كما نادر جدًا من يعفي نفسه من عناء توفير المال اللازم لاقتناء كبش الأضحية، مهما كلفه الأمر من تضحيات، ولو ببيع بعض أثاث البيت أو باللجوء إلى قروض لا تخلو من الربا، وقد نهى عنها الدين نفسه، إذ لا إكراه في الدين، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
لا شك أن الله أرحم بكثير من مجتمع يجعل من المناسبات الاجتماعية فرصة للتباهي واستعراض المكانة الاجتماعية، حيث تأخذ مثل هذه المناسبة طابعًا شبه إكراهي، بحكم ما يعتقد تداولًا بأنه واجب اجتماعي شبه مقدس.
تزداد الكلفة سنة بعد أخرى مع ارتفاع الأسعار، ويزداد الطلب مع ارتفاع عدد السكان وعدد الأسر. ومع ذلك، لا يزال هناك تهافت على كبش العيد أو ما يوازيه من مواشٍ تختلف باختلاف القدرة المادية للأسرة وعدد أفرادها، سواء كانت عجلاً أو عنزًا.
إنه طقس يغلب عليه طابع الضغط والإكراه بمعناه الاجتماعي، فقليل جدًا من يسمح لنفسه بالخروج من “الجماعة” تحت وطأة الخوف من سخرية الآخرين أو احتقارهم أو انتقاداتهم المختلفة، لأنه تحول إلى فرصة للتباهي الاجتماعي، حيث تتأكد المكانة الاجتماعية بحجم قرون كبش العيد، وبثمنه، وأيضًا بمستوى الأطباق المقدمة أثناء الولائم بين الأسر والأحباب.
ومن الراجح جدًا أن فئات واسعة تمارس هذا الطقس، الذي هو ديني في الأصل، لأسباب اجتماعية محضة، ولا تطبق معه التعليمات الدينية، ومنها ضرورة التصدق بجزء منه. علمًا بأن الأغلبية الساحقة تذبح كبشها، وقد لا تجد من تريد التصدق عليه فعلًا لمنحه اللحم في مثل هذه المناسبة.
كما تحرص النساء على تخزين فائض اللحوم في الثلاجات تحسبًا للأيام القادمة، فثمن اللحم جد غالٍ بالنسبة للأغلبية الساحقة، إذ يوازي الكيلو الواحد منه يوم عمل كامل بالنسبة للفئات العريضة التي تقتات غالبًا على الخضار والدجاج والقطاني والرخيص من الفواكه، ولا يشكل اللحم الأحمر إلا استثناءً على موائدها.
لذلك، يكون هذا الإقبال المنقطع النظير على تطبيق هذا الطقس الديني فرصة سنوية لتجاوز هذا الحرمان، من خلال وليمة اللحوم، وخصوصًا الشواء، التي توفرها هذه المناسبة.