همت حسين تكتب. | التطوع.. أن تمنح من نفسك شيئًا
لم أفهم معنى التطوع الحقيقي منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها أن أكون متطوعة. كنت أظن أنه مجرد وقت أقدمه أو مساعدة أشارك بها، لكن مع التجربة اكتشفت أن التطوع أعمق بكثير؛ فهو حالة إنسانية لا يستطيع الجميع أن يشعروا بها.
كنت أذهب لأقدم شيئًا للآخرين، لكنني في كل مرة كنت أعود بشيء أكبر لنفسي. تعلمت أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج إلى حلول بقدر احتياجه إلى شخص يشعر به، وأن كلمة طيبة أو موقف بسيط قد يترك أثرًا لا نعرف حجمه.
التطوع علّمني أن العطاء لا يُقاس بحجم ما نملك، وإنما بما نستطيع أن نقدمه بصدق. قد لا أستطيع تغيير حياة شخص بالكامل، لكن يمكنني أن أخفف عنه لحظة، أو أكون سببًا في أن يشعر بأنه ليس وحده.
ومع الوقت، بدأت أرى الناس بشكل مختلف. تعلمت ألا أحكم على أحد من موقف أو مظهر، لأن لكل إنسان قصة لا أعرفها، وربما يخوض معركة لا يراها أحد. وهنا فهمت أن التطوع لا يخدم الآخرين فقط، بل يجعلنا أكثر إنسانية ووعيًا.
ومن أجمل ما تعلمته أن المتطوع الحقيقي لا ينتظر دائمًا كلمة شكر. فالعطاء عندما يتحول إلى انتظار للمقابل يفقد جزءًا من معناه، بينما أجمل ما في التطوع أن تفعل الخير لأنك تؤمن بقيمته، حتى لو لم يعرف أحد أنك كنت سببًا فيه.
والتطوع أيضًا يغيّر علاقتنا بالمجتمع. بدلًا من أن نرى المشكلات ونقول: «مش شغلتي»، يجعلنا ندرك أننا جزء من هذا المجتمع، وأن التغيير لا يبدأ دائمًا بقرارات كبيرة، وإنما قد يبدأ بشخص واحد قرر ألا يقف متفرجًا.
ولذلك، أؤمن أن التطوع ليس نشاطًا إضافيًا نضعه في جدول حياتنا، بل ثقافة يمكن أن تغيّر طريقة تفكيرنا. فهو يمنح الشباب خبرة ومسؤولية وثقة، ويجعل الإنسان أكثر تقديرًا لما يملك وأكثر إحساسًا بمن حوله.
وربما أجمل مفارقة في التطوع أنك قد تذهب وأنت تعتقد أنك الشخص الذي سيمنح، ثم تعود وأنت تشعر أنك أنت من حصل على شيء لا يُشترى؛ خبرة، علاقات إنسانية، ووعي، والأهم شعور جميل بأن وجودك كان له معنى.
من تجربتي، لم يعد التطوع بالنسبة لي مجرد عمل أقوم به، بل أصبح جزءًا من نظرتي للحياة. فهمت أن قيمة الإنسان ليست فقط فيما يملكه أو يحققه، وإنما فيما يستطيع أن يتركه من أثر في حياة الآخرين.
وفي النهاية، قد ننسى كثيرًا من التفاصيل، لكننا لا ننسى شعورنا عندما ندرك أننا كنا سببًا في شيء جيد. وربما لهذا السبب تحديدًا أؤمن أن التطوع لا يغيّر المجتمع فقط، بل يغيّر الأشخاص الذين يصنعون هذا المجتمع.
أنا لم أذهب إلى التطوع فقط لأساعد الآخرين… ذهبت لأتعلم كيف أكون إنسانة أكثر، وفي النهاية اكتشفت أنني، في كل مرة كنت أظن أنني أترك أثرًا في حياة شخص آخر، كان التطوع يترك أثرًا أعمق في حياتي أنا.